أيها الأحبة،
حين نسمع كلمة “الهجرة”، يتبادر إلى أذهاننا الانتقال من مكان إلى آخر، من بلد إلى بلد، من أرض إلى أرض.
لكن الهجرة الحقيقية، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي رحلة داخلية، رحلة من الذات القديمة إلى الذات الواعية، من الظلمة إلى النور، من الغفلة إلى اليقظة.
لقد ورثنا مفاهيم جعلتنا نقرأ القرآن وكأنه كتاب تاريخ، يتحدث عن أقوام مضوا، وأمم انتهت، وناس ليسوا نحن.
لكن الحقيقة العميقة هي أن القرآن حيّ، يخاطبك الآن، في هذه اللحظة، يخاطب وعيك، حالتك، واقعك.
الهجرة ليست فقط أن تترك مكانًا، بل أن تترك حالة.
أن تهاجر من الغضب إلى الرحمة، من الخوف إلى الطمأنينة، من الظلم إلى العدل، من التسرّع إلى التأني، من الاتهام إلى التبيّن، من التذمر إلى الامتنان.
الهجرة أن تهاجر من كل ما يسحبك للأسفل، من كل ما لا يُشبهك، من كل ما يُطفئ نورك الداخلي.
أن تهاجر من الاعتماد على الناس، والأموال، والمناصب، إلى الاعتماد على رب الناس، إلى الاتصال بالمصدر الحقيقي للنور، رب العالمين.
الهجرة أن تقول لذاتك القديمة:
“شكرًا لأنكِ أوصلتني إلى هذه المرحلة من الوعي، والآن… حان وقت الهجرة.”
الهجرة أن تختار أن تكون من القليل، لا من الأكثرية، لأن القرآن قال:
“وقليل من عبادي الشكور”
وأن تترك وعي القطيع، وتختار وعيك الخاص، وعيك الحر، وعيك المتصل بالله.
الهجرة أن تهاجر من الجدل العقيم إلى الحوار المثمر، من الرغبة في إثبات الذات إلى السعي للسلام الداخلي، من الإيغو إلى التواضع، من الاحتراق لأجل الآخرين إلى الإنارة دون أن تحترق.
أيها الأحبة،
الهجرة قرار، قرار أن تترك ما لا يُشبهك، وتمضي في سبيل الله، نحو نسختك الأنقى، نحو ذاتك الحقيقية، نحو النور الذي يسكنك.
فكل عام وأنتم تهاجرون من ما لا يُرضي الله فيكم،
إلى ما يُرضيه،
من الظلمة إلى النور،
من الغفلة إلى الوعي،
من الذات القديمة إلى الذات التي تستحق أن تُنير هذا العالم.
